ابن يعقوب المغربي
367
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
الجملي المسوق لتفصيله ؛ ليكون التفصيل أوقع في النفس ، فلذكر الأهمية فائدة ، ويصح أن يراد الثاني ، ولا يلزم من استواء الجزأين في الإفادة والحاجة في التركيب استواؤهما في خواص وزوائد أخرى بها يكون أحدهما أهم من الآخر . وأما كون التخصيص - مثلا - سببيا للتقديم ، فلا ينافي كونه سببا للأهمية ؛ لأن الأهمية أعم ، وسبب الأخص سبب الأعم ، ولصحة الوجهين تجد كلامهم تارة في بيان مطلق الأهمية ككون الشيء أشرف وأجل وأنسب بالمقام ، وتارة في بيان الأهمية التقديمية ككون التقديم يفيد التخصيص - واللّه الموفق بمنه . وذلك ( نحو ) قوله تعالى لا فِيها غَوْلٌ " 1 " أي : ليس في خمور الجنة غول ، وهو : ما يحصل بشرب الخمر من وجع الرأس وثقل الأعضاء ، والمعنى على حصر المسند إليه في المسند ( أي ) الغول مقصور على كونه لا يكون في خمور الجنة ( بخلاف خمور الدنيا ) فيكون فيها ، ثم إن نسبة الغول أو نفيه عن الخمر نسبة الوصف من الموصوف ؛ لأن الخمور توصف بأنها موجعة للرأس مثقلة للبدن ، ويمكن أن يعتبر أن نسبته منه نسبة المظروف من الظرف ؛ لأن الظرفية المجازية يصح أن تعتبر في الموصوف للوصف بل الحقيقة ، فيقال : كانت هذه الصفة في هذا الموصوف ، فنفى الغول هنا يعتبر فيه كونه في خمور الجنة على وجه القصر . وبالاعتبار الأول توهم أن قصر نفى الغول على كونه في خمور الجنة من قصر الوصف على الموصوف . وبالاعتبار الثاني قيل : إنه من قصر الموصوف على الصفة ، والأول ناظر إلى أن الحاصل من لا فيها غول أن عدم الغول ، وهو صفة ، مقصور على خمور الجنة ، بحيث لا توصف به خمور الدنيا ، ورد بأن تقديم المسند لم يرد لقصر المسند - الذي هو بمثابة الصفة - على المسند إليه - الذي هو بمثابة الموصوف - بل الوارد العكس ، ولو سلم وروده فهذا ليس منه ؛ إذ هو من قصر المسند إليه على جزء من المسند وهو الضمير ، والمعهود في إفادة التقديم للقصر إفادته قصر أحد المقدمين على نفس الآخر لا على جزئه ، وإن أراد هذا القائل أنه من قصر المسند إليه على المسند وهو الظرف ، ولكن لما آل الكلام بالأخيرة إلى اتصاف خمور الجنة فقط
--> ( 1 ) الصافات : 47 .